الفيض الكاشاني

400

أنوار الحكمة

وهذا معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » : « إنّ الجنّة قاع صفصف فأكثروا من غراس « 2 » الجنّة » - الحديث . وقد دريت أنّ ما يحصل هناك من الصور أشدّ إلذاذا وإيلاما من هذه المحسوسات الملذّة والمؤلمة بكثير ؛ لصفاء المحلّ ، وقوّة الفاعل ، وعدم الشاغل ، وذكاء المدرك ، وانحصار القوى كلّها في قوّة واحدة هي المتخيّلة ، وصيرورتها عينا باصرة للنفس وقدرة فعّالة ، وانقلاب العلم مشاهدة ؛ فلا يخطر بالبال شيء في الجنّة تميل إليه النفس إلّا ويوجد في الحال بإذن اللّه - أي يوجد بحيث يراه رؤية عيان ، ويحسّ به إحساسا قويّا لا أقوى منه . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 3 » : « إنّ في الجنّة سوقا يباع فيه الصور » . والسوق عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشيئة ونيلها بالحسّ . وقد مضى حديث « كن فيكون » في ذلك . وهذه القدرة أوسع وأكمل من القدرة على الإيجاد في المادّة الجسمانيّة ، لأنّ الموجود في تلك المادّة لا يوجد في مكانين وإذا صارت النفس مشغولة باستماع واحد ومشاهدته ومماسّته صارت مستغرقة محجوبة عن غيره ؛ وأمّا هذا فيتّسع اتّساعا لا ضيق فيه ولا منع ، حتّى لو اشتهى مشاهدة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثلا ألف شخص في ألف مكان في حالة واحدة - لشاهدوه كما خطر ببالهم - في الأماكن المختلفة ، وأمّا الإبصار الحاصل عن شخص النبيّ الماديّ فلا يكون إلّا في مكان واحد . وأمر الآخرة أوسع وأوفى بالشهوات وأوفق لها ، وقد علمت في محلّه أنّ كلّ

--> ( 1 ) في الترمذي ( كتاب الدعوات ، الباب 59 ، 5 / 510 ، ح 3462 ) : « إنّ الجنّة طيّبة التربة عذبة الماء ، وأنّها قيعان ، وأنّ غراسها : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله اللّه واللّه أكبر » . ( 2 ) ر : غرائس . ( 3 ) جاء مع فرق يسير في جامع الأخبار : الفصل 137 ، 494 . عنه البحار : 8 / 148 ، ح 76 . المسند : 1 / 156 . الترمذي : كتاب صفة الجنة ، باب ( 15 ) ، 4 / 686 ، ح 2550 .